الغزالي

92

المستصفى

طاعتك ما لم تحبطها بالردة وهو عالم بأنه يحبط أم لا يحبط ، وكذلك يقول : أمرتك بشرط البقاء والقدرة وبشرط أن لا أنسخ عنك . المسلك الثاني في إحالة النسخ قبل التمكن قولهم : الأمر والنهي عندكم كلام الله تعالى القديم ، وكيف يكون الكلام الواحد أمرا بالشئ الواحد ونهيا عنه في وقت واحد ، بل كيف يكون الرافع والمرفوع واحدا ، والناسخ والمنسوخ كلام الله تعالى ؟ قلنا : هذا إشارة إلى إشكالين : أحدهما : كيفية اتحاد كلام الله تعالى ، ولا يختص ذلك بهذه المسألة ، بل ذلك عندنا ، كقولهم : العالمية حالة واحدة ينطوي فيها العلم بما لا نهاية من التفاصيل ، وإنما يحل إشكاله في الكلام . أما الثاني : فهو أن كلامه واحد ، وهو أمر بالشئ ونهي عنه ، ولو علم المكلف ذلك دفعة واحدة لما تصور منه اعتقاد الوجوب والعزم على الأداء ، ولم يكن ذلك منه بأولى من اعتقاد التحريم والعزم على الترك فنقول : كلام الله تعالى في نفسه واحد ، وهو بالإضافة إلى شئ أمر ، وبالإضافة إلى شئ خبر ، ولكنه إنما يتصور الامتحان به إذا سمع المكلف كليهما في وقتين ، ولذلك شرطنا التراخي في النسخ ، ولو سمع كليهما في وقت واحد لم يجز ، وأما جبريل عليه السلام فإنه يجوز أن يسمعه في وقت واحد إذ لم يكن هو مكلفا ، ثم يبلغ الرسول ( ص ) في وقتين إن كان ذلك الرسول داخلا تحت التكليف ، فإن لم يكن فيبلغ في وقت واحد ، لكن يؤمر بتبليغ الأمة في وقتين : فيأمرهم مطلقا بالمسالمة وترك قتال الكفار ، ومطلقا باستقبال بيت المقدس في كل صلاة ، ثم ينهاهم عنها بعد ذلك ، فيقطع عنهم حكم الامر المطلق ، كما يقطع حكم العقد بالفسخ ، ومن أصحابنا من قال الامر : لا يكون أمرا قبل بلوغ المأمور ، فلا يكون أمرا ونهيا في حالة واحدة ، بل في حالتين ، فهذا أيضا يقطع التناقض ويدفعه ، ثم الدليل القاطع من جهة السمع على جوازه قصة إبراهيم عليه السلام ، ونسخ ذبح ولده عنه ، قبل الفعل ، وقوله تعالى : * ( وفديناه بذبح عظيم ) * ( الصافات : 701 ) ، فقد أمر بفعل واحد ، ولم يقصر في البدار والامتثال ، ، ثم نسخ عنه ، وقد اعتاص هذا على القدرية حتى تعسفوا في تأويله وتحزبوا فرقا ، وطلبوا الخلاص من خمسة أوجه : أحدها : أن ذلك كان مناما لا أمرا . الثاني : أنه كان أمرا لكن قصد به تكليفه العزم على الفعل لامتحان سره في صبره على العزم فالذبح لم يكن مأمورا به . الثالث : أنه لم ينسخ الامر ، لكن قلب الله تعالى عنقه نحاسا أو حديدا فلم ينقطع ، فانقطع التكليف لتعذره . الرابع : المنازعة في المأمور ، وأن المأمور به كان هو الاضجاع والتل للجبين وإمرار السكين دون حقيقة الذبح . الخامس : جحود النسخ ، وأنه ذبح امتثالا ، فالتأم واندمل والذاهبون إلى هذا التأويل ، اتفقوا على أن إسماعيل ليس بمذبوح ، واختلفوا في كون إبراهيم عليه السلام ذابحا ، فقال قوم : هو ذابح للقطع ، والولد غير مذبوح لحصول الالتئام ، وقال قوم : ذابح لا مذبوح له محال ، وكل ذلك تعسف وتكلف . أما الأول : وهو كونه مناما ، فمنام الأنبياء جزء من النبوة ، وكانوا يعرفون أمر الله تعالى به ، فلقد كانت نبوة جماعة من الأنبياء عليهم السلام بمجرد المنام ، ويدل على فهمه الامر قول ولده إفعل ما تؤمر ، ولو لم يؤمر لكان كاذبا ، وأنه لا يجوز قصد الذبح ، والتل للجبين بمنام لا أصل له ، وأنه سماه البلاء المبين